ابن عربي

221

فصوص الحكم

والعرش وسع كل شيء ، والمستوِي ( 1 ) الرحمن . فبحقيقته يكون سريان الرحمة في العالم كما ( 2 ) بيناه في غير موضع من هذا الكتاب ، وفي ( 3 ) الفتوح المكي . وقد جَعَلَ الطيبَ - تعالى ( 4 ) - في هذا الالتحام النكاحي في براءة عائشة فقال « الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ ، والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ، أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ » . فجعل روائحهم طيبة : لأن القول نَفَس ، وهو عين الرائحة فيخرج بالطيب والخبيث ( 5 ) على حسب ما يظهر به في صورة النطق . فمن حيث هو إلهي بالأصالة ( 6 ) كله طِيبٌ : فهو طَيِّبٌ ، ومن حيث ما يحمد ويذم فهو طيّب وخبيث . فقال في خبث الثوم هي شجرة ( 7 ) أكره ريحها ولم يقل أكرهها . فالعين لا تُكرَه ، وإنما يُكْرَه ما يظهر منها . والكراهة لذلك إما عرفاً بملاءمة ( 8 ) طبع أو غرض ، أو شرع ، أو نقص عن كمال مطلوب وما ثَمَّ غير ما ذكرناه . ولما انقسم الأمر إلى خبيث وطيّب كما قررناه ، حُبِّب إليه الطيب دون الخبيث ووصف الملائكة بأنها تتأذى بالروائح الخبيثة لما في هذه النشأة العنصرية من التعفن ( 9 ) ، فإنه مخلوق من صلصال من حمأ مسنون أي متغير الريح . فتكرهه الملائكة بالذات ، كما أن مزاج الجُعَل يتضرر برائحة الورد وهي من الروائح الطيبة . فليس الورد ( 10 ) عند الجعل بريح طيبة . ومن كان على مثل هذا المزاج معنى وصورة أضرَّ به الحقُّ إذا سمعه وسُرَّ بالباطل : وهو قوله « والَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وكَفَرُوا بِالله » ، ووصفهم بالخسران فقال « أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . . . الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ » . فإن من لم يدرك الطيب

--> ( 1 ) ن : المستوي عليه ( 2 ) ب : كما قد ( 3 ) « ب » و « ن » : ومن ( 4 ) ن : وقد جعل اللَّه تعالى الطيب ( 5 ) ا : والخبيث ( 6 ) ن : بالإضافة ( 7 ) ب : شجرة خبيثة ( 8 ) ب : ملاءمة . يقرؤها القيصري « إما عرفاً أو بعدم ملاءمة طبع » وهو أقرب القراءات إلى المعقول ( 9 ) « ا » و « ب » : التعفين ( 10 ) ب : ريح الورد .